فصل: باب: ذِكْرِ النَّسَّاج

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فيض الباري شرح صحيح البخاري ***


باب‏:‏ كَسْبِ الرَّجُلِ وَعَمَلِهِ بِيَدِه

2070- قوله‏:‏ ‏(‏لمَّا اسْتُخْلِفَ أبو بَكْرٍ‏)‏، واعلم أن أبا بكر، وإن أكل من بيت المال قدر قُوتهِ، لكني أقطع على أنه قضاه بنَقِيرِه وقِطْمِيرهِ‏.‏ أمَّا عمرُ فقد كان أَوْصَى بأن يُقْضَى عنه كل ما أخذه من بيت المال‏.‏ وأمَّا عثمانُ، فكان غنيًا لم يكن له حاجةٌ، إلى بيت المال‏.‏ وأما عليُّ، فقد كان يَقُمُّ بيت المال حتى تَغْبَرَّ لحيته المباركة، وكانت كثيفةً جدًا‏.‏ فمرّ به رجلٌ مرةً‏.‏ وكان يَقُمُّ بيت المال‏.‏ فقال‏:‏ لو استأجرتَ له رجلا يا أمير المؤمنين‏؟‏ فقال‏:‏ لا أفعله حتى يبقى بي رمقٌ من الحياة‏.‏ فسبحان الذي اصطفى لنبيه هؤلاء النُّجَبَاء، الذي ما أقلَّت مثلهم الغبراء، ولا أظلَّت الخضراء‏:‏

من البِيضِ الوجوه، نجومُ هدىً *** لو أنك تَسْتَضِىء بهم أَضَاؤُا

هُمُ حَلُّوا من الشرفِ المُعلَّى *** ومن حَسَبِ العَشِيرَةِ حيثُ شاؤُا

ثم رأيت في «تذكرة»‏:‏ أن نبيَّ الله سليمان عليه السلام كان يَنْسِجُ المَكاتِل، ومن ذلك كان قُوتُه، وكان داود عليه الصلاة والسلام يَعْمَلُ بيديه الدُّرُوعَ، كما نصَّ عليه القرآن‏.‏

2071- قوله‏:‏ ‏(‏أَرْوَاحٌ‏)‏ أي‏:‏ الرائحةُ الكريهةُ‏.‏

باب‏:‏ السُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِي الشِّرَاءِ وَالبَيعِ، وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا فَليَطْلُبْهُ فِي عَفَاف

قوله‏:‏ ‏(‏السَّمَاحة‏)‏- دل مين وسعت هونى أورسخت كيرى نه كرنى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في عَفَافٍ‏)‏ يعني ‏(‏دوسرى كى آبروريزى نه كرنى‏)‏ أي هو الاتقاء عن هَتْكِ عِرْض أحدٍ‏.‏

باب‏:‏ مَنْ أَنْظَرَ مُوسِرًا

باب‏:‏ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا

ثم ترجم المصنِّفُ بعده‏:‏ باب من أنظر معسرًا، وذلك لاختلاف لفظ الحديث عنده، ففي لفظٍ‏:‏ «ويَتَجَاوَزُوا عن المُوسِر»، وفي لفظٍ‏:‏ «فإذا رأى مُعْسِرًا، قال لفتيانه‏:‏ تَجَاوَزُوا عنه»‏.‏ ففيه التَّجَاوُزُ عن المُعْسِر، وهذا دَأْب المصنِّف‏:‏ أن الحديثَ إذا اخْتَلَفَتْ ألفاظه، ولم يترجَّح عنده واحدٌ منهما، يُتَرْجِمُ عليه باللفظين، والفصلُ عندي في نحو هذه المواضع‏:‏ أن يُؤْخَذَ بما كان أقرب إلى الوجدان، ولا يُعْبَأُ بما سواه‏.‏ كما أن الظاهرَ مع التَّجاوُزِ لفظ‏:‏ «المعْسِرِ»، فَيُحْمَلُ ذكر المُوسِرِ على تصرُّف من أحد الرواة، لأن المُعْسِرَ هو الذي يَحْتَاجُ إلى التجاوز عنه دون المُوسِر‏.‏

ولذا ترى في لفظ نُعَيْم بن أبي هِنْدٍ، عن رَبْعِي عنده‏:‏ «فأَقْبَلُ من المُوسِر، وأَتَجَاوَزُ عن المُعْسِر»، فلا ينبغي في مثل هذه المواضع تراجم مختلفة‏.‏ وإنما يَفْعَلُ مثله حيث لا يُمْكِنُ الترجيح فيه، كما في قوله‏:‏ «إذا أمَّن الإِمامُ فأمِّنُوا»، وفي لفظٍ‏:‏ «إذا امَّن القاريء»‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ فالفصلُ فيه مُشْكِلٌ، فإن الإِمامَ مختصٌّ بالصلاة، والقاريء يكون في الخارج أيضًا، ولا يتبيَّن لفظ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم من غيره، فإن فيهما معنىً صحيح، بخلاف الاختلاف في المُعْسِرِ والمُوسِرِ‏.‏

باب‏:‏ إِذَا بَيَّنَ البَيِّعَانِ، وَلَمْ يَكْتُمَا وَنَصَحَا

باب‏:‏ بَيعِ الخِلْطِ مِنَ التَّمْر

باب‏:‏ ما قِيلَ فِي اللَّحَّامِ وَالجَزَّار

باب‏:‏ مَا يَمْحَقُ الكَذِبُ وَالكِتْمَانُ فِي البَيع

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرّبَا أَضْعَفاً مُّضَعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 130‏)‏

وفيه تغليبٌ كما في القَمَرَيْنِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا ما اشْتَرَى محمدٌ رسولُ الله من العَدَّاءِ بن خالِدٍ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ وعند الترمذيِّ في باب ما جاء في كتابة الشروط‏:‏ «ما اشترى العَدَّاءُ بن خالد بن هَوْذَة من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ‏.‏‏.‏» إلخ‏.‏ والصواب عندي ما في الترمذيِّ، لأن المعروفَ في الكتابة أن تكونَ من جهة البائع دون المشتري، إلا أن يكون العِوَضَان عروضًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏النَّخَّاسِينَ‏)‏ أي الدلال في الدَّوَاب‏.‏

باب‏:‏ آكِلِ الرِّبا وَشَاهِدِهِ وَكَاتِبِه

وفي رواية الترمذيِّ‏:‏ اللعن على عشرة، منها المُوكِل‏.‏ فقال بعضهم‏:‏ إن المُوكِلَ‏:‏ المُعْطِي، والآكل‏:‏ الآخذ‏.‏ قلتُ‏:‏ لا حاجةَ إلى هذا التأويل، والألفاظ كلُّها على ظاهرها، فإن الآخذ قد يكون آكلا‏.‏ والوعيدُ من تلقاء خُبْثِ المال، فمن أخذه، أو أكله، أو حمله، أو فعل فعلا أوجب نسبة التلبُّس به، فقد تحمَّل الوعيد الوارد فيه‏.‏ وإذن يكون الوعيد على كلِّ من أكل بنفسه، أو أَطْعَمَ غيره أيضًا سواء‏.‏ فالوعيد على نفس هذا الفعل، وما ذكره الشارحون في شرحه، فهو خِلافُ الواقع عندي‏.‏

وحاصلهُ‏:‏ أنه يُلْعَنُ في ربًا واحدٍ عشرةُ نفرٍ، حسب أوزارهم خِفَةً وشدَّةً‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَنُ مِنَ الْمَسّ‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، واستدلَّ منه ابن حَزْم على أن الشياطين لا تَسْرِي في أجساد الإِنسان، وإنما لهم لَمَمٌ به‏.‏ واختار الغزاليُّ‏:‏ أن لها سِرَايةً أيضًا‏.‏ أقولُ‏:‏ وهما عندي وجهان‏:‏ وأمَّا وجه الخبط فإن أكل الربا يَمْسَخُ الفطرة السليمة، ويُؤَثِّرُ فيها حتى يكاد يُعْمِيها، فإذا عَمِيَتْ تَخْبِطُ خَبْطَ العَشْوَاء لا مَحَالة‏.‏ ثم إن الأرواحَ الخبيثةَ أيضًا قد تُؤْذِي الإِنسان، وفي ذلك حكاياتٌ‏.‏

باب‏:‏ مُوكِلِ الرِّبَا

2086- قوله‏:‏ ‏(‏فأَمَرَ بِمَحَاجِمِهِ فَكُسِرَتْ‏)‏‏.‏ واعلم أن اللهاَ تعالى بثَّ في العالم أعمالا خسيسةً ونفيسةً، وخَلَقَ على مثلها أرواحًا، فالطيبةُ منها تَمِيلُ إلى النفيسة‏.‏ والخبيثةُ تَرْغَبُ في الخسيسة، وهذا من باب نظام العالم‏.‏ أمَّا الشرعُ فإنه لا يُرَغِّبُ إلا فيما فيه فَضْلٌ، وهذا كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم «إن العُرَفَاء في النار»، مع أنه لا بدَّ من العِرَافةِ أيضًا، فإن نظامَ العالم لا يستوي بدونها‏.‏

والحاصلُ‏:‏ أن طبائعَ الناس تَتَفَاوَتُ على حسب تَفَاوُت الأعمال، خِسَّةً ودناءةً، كَرمًا وفضلا، فَيَرْغَبُ إليها كلٌّ منهم حسب فطرته، مع أن الشرعَ لا يحثُّهم إلا على الخير‏.‏ ومن ههنا عَلِمْتَ أن الشرعَ ليس في نقاضة النظام، فالنظامُ يبقى على طريقه، كما أن الشرعَ يأْمُرُ وينهى على طريقه‏.‏ ألا ترى أن اللهاَ يدعو إلى دار السلام، مع عِلْمِهِ أن كثيرًا منهم لا يُلْقُون لدعوته بالا، فَيُلْقَوْن في جهنَّم على وجوههم‏.‏ فاللهاُ سبحانه لا يَزَالُ يدعو على ما يَليقُ بشأنه، مع أنه سَبَقَ القول منه‏:‏ ‏{‏لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ‏}‏ ‏(‏هود‏:‏ 119‏)‏، فهذا بنظامٍ، وذلك تشريعٌ‏.‏

وبالجملة إن الأطراف تتجاذب في نحو هذه المواضيع، كما في الحِجَامة فإِنه نهى عنها، ومع ذلك قد أعْطى أجرتها بنفسه النفيسة أيضًا‏.‏ فالدَأْبُ فيه‏:‏ أن لا يزالَ النطقُ بالهجو، ويَخْرُجُ الجواز من الأطراف، كفعله تارةً وتارةً‏.‏ وهذا هو طريقُ القرآن مُطَّردًا، فإِنه إذا كَرِهَ شيئًا اطَّرد بهجوه ولو كان جائزًا في الجملة‏.‏ كما رأيت في باب الهجرة، فإنه إذا أحبَّ الهجرة وكرهَ إقامة المسلم بين أَظْهُر الكفَّار، استمرَّ على النهي، ومع ذلك خَرَجَ الجوازُ من الأطراف‏.‏ أمَّا الأحاديثُ، فقلَّما تَسْلُكُ هذا المسلك‏.‏

2086- قوله‏:‏ ‏(‏نهي النبيُّ صلى الله عليه وسلّم عن ثَمَنِ الكَلْبِ‏)‏ واختلف أصحابُنا في بيع الكلب‏.‏ ففي «المبسوط»‏:‏ أنه يجوز بيع المعلَّم خاصةً‏.‏ وفي «الهداية»‏:‏ جوازه مطلقًا، نظرًا إلى أن الكلبَ صالحٌ للتعليم، فجاز بيعه كبيع المعلَّم بالفعل‏.‏ فنظر السَّرَخْسِي إلى التعليم حالا، وصاحب «الهداية» إلى التعليم، ولو مآلا‏.‏ والأول أوفق بالحديث، لِمَا ثبت عند النَّسائي استثناء المعلَّم‏.‏ وقال النَّسائي‏:‏ إنه مُنْكَرٌ‏.‏ وراجع ما في هامشه من «عقود الجواهر»‏.‏ ومن اختار جواز البيع مطلقًا، حَمَل النهي على التنزيه‏.‏ وحمله الطحاويُّ على زمان حَرُمَ فيه اقتناؤها، فإذا رُخِّص فيه جاز البيع والشراء أيضًا‏.‏ فراجع كلامه من «معاني الآثار»‏.‏

وقال الخطَّابيُّ في «معالم السنن» في معنى النهي عن بيع الهرَّة‏:‏ إنه كونها شيئًا خسيسًا، فليتركها على الإِباحة الأصلية من أَخَذَهَا، فهو أحقُّ بها‏.‏ ولا يُنَاسِبُ أن تجري فيها البيوع، فإنها تُنَاسِبُ بكرائم الأموال، وشأنها أدون من أن تُقْصَدَ بالبيوع‏.‏ وهكذا هو العملُ في بلادنا، فإنهم يَتَدَاولونها مجَّانًا، ولا يأخذون ثمنها‏.‏ فهذا تعليمٌ للأخلاق الفاضلة، وما ينبغي أن يُعَامَلَ مع هذه الحيوانات‏.‏ لا أنه نهى عن بيعه حقيقةً، فلو باعها صَحَّ لا مَحَالَةَ، ولك أن تَقِيسَ عليها الكلب أيضًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولَعَنَ المُصَوِّر‏)‏، وراجع «فتح القدير» لمسائل التصاوير‏.‏ أمَّا إن الملائكة، هل تَدْخُلُ بيتًا فيه تصاوير، رَخَّصَ بها الشرعُ‏؟‏ فالظاهر أن لا، فأنت تفعل ما في عالمك، وهم يفعلون ما في عالمهم، ولطباعهم تَنَافُرٌ من الأَنْجَاس، والأَرْجَاسِ، والتصاوير، وأمثال ذلك‏.‏ فما عليهم أن لا يَدْخُلُوا بيتًا تكون فيه تلك، وإن رَخَّصَ لك فيها بتفاصيل، ذُكِرَت في المبسوطات‏.‏

باب‏:‏ ‏{‏يَمْحَقُ اللَّهُ الْرّبَواْ وَيُرْبِى الصَّدَقَتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 276‏)‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَيُرْبِى الصَّدَقَتِ‏}‏‏:‏ يعني إن الله يُعْطِي الربا من عنده في الصدقات‏.‏ أمّا ما تعاملون من معاملات الربا، فإنه يَمْحَقُها‏.‏ فمن أراد منكم أن يأخذَ الربا، فليأخذه من الله سبحانه إلى سبع مئة ضِعْفٍ، ويزيد على ذلك لمن يشاء‏.‏ وقال المفسِّرُون‏:‏ إن الله تعالى يُبَارِكُ في الصدقات‏.‏ وليس بمرادٍ عندي، وقد تكلَّمنا عليه مرةً، فَتَذَكَّرْهُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ‏}‏ومرَّ على مثله التَّفْتَازَانِيُّ في «المطول»، وذَكَرَ له ضابطةً‏:‏ أن النفي في مثله محمولٌ على رفع الإِيجاب الكليِّ، ولا يَصِحُّ ههنا، فإنه للسَّلْبِ الكليِّ‏.‏ ولو أجاب عنه العَلامةُ، بأن معناه‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ ثم اسْكُتْ، كأنك تَسْأَلُ المُخَاطَبَ من هو‏؟‏ فقيل لك‏:‏ ‏{‏كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ‏}‏، لم يَرِدْ عليها نقضٌ‏.‏ وحاصلهُ‏:‏ أن قوله‏:‏ ‏{‏كُلَّ كَفَّارٍ‏}‏ جواب لفعلٍ محذوفٍ أي من ‏{‏لاَ يُحِبُّ‏}‏‏.‏

باب‏:‏ ما يُكْرَهُ مِنَ الحَلِفِ فِي البَيع

باب‏:‏ ما قِيلَ فِي الصَّوَّاغ

باب‏:‏ ذِكْرِ القَينِ وَالحَدَّاد

باب‏:‏ ذِكْرِ الخَيَّاط

باب‏:‏ ذِكْرِ النَّسَّاج

واعلم أن الشرعَ نهى عن إكثار الحَلِفِ، ولو كان فيه صادقًا‏.‏ ورُوِيَ عن إمامنا‏:‏ أن اليمينَ الفاجرةَ تَدَعُ الديارَ بَلاقِع‏.‏

باب‏:‏ النَّجَّار

لمَّا دَخَلَ المصنِّفُ في بيان الصنائع والحِرَف، ذكر النَّجَّار، والصَّوَّاغ، والنَّسَّاج ‏(‏جولاها‏)‏، وأمثالهم‏.‏ ثم قيل‏:‏ إن القَيْن‏:‏ من يَصْنَعُ السيفَ خاصةً، والحَدَّاد عام‏.‏

2095- قوله‏:‏ ‏(‏فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ‏)‏، وهي الحنَّانَة عندي، على ما تبيَّن من الروايات‏.‏

باب‏:‏ شِرَاءِ الإِمَامِ الحَوَائِجَ بِنَفسِه

يعني أن العظيمَ إذا باشر البيوعَ بنفسه‏.‏ لم يُوجِب ذلك فيه نَقْصًا‏.‏

باب‏:‏ شِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالحَمِيرِ، وَإِذَا اشْتَرَى دَابَّةً أَوْ جَمَلا وَهُوَ عَلَيهِهَل يَكُونُ ذلِكَ قَبْضًا قَبْلَ أَنْ يَنْزِل

باب‏:‏ الأسْوَاقِ الَّتِى كانَتْ في الجَاهِليَّة، فَتَبَايَعَ بِهَا النَّاسُ في الإِسْلام

واعلم أن المُصَنِّفَ سمَّى الدَّوَابَّ، والحمير، ولعلَّه أراد المنقولات مطلقًا‏.‏ وإلا، فلا نَفْهَمُ فيه معنىً آخر‏.‏ وسمَّى الجمل تَبَعًا للحديث‏.‏ ثم انتقل إلى مسألةٍ أخرى، وهي أنه هل يُشْتَرط التَّخْلِيَة للقبض أو لا‏؟‏ وأشار إلى جوابه بما أخرج عن ابن عمر، ولم يَذْكُر صورة الجواب على عادته من ذِكْرِ مادته بدون الإِفصاح به‏.‏ وحديث ابن عمر المُفَصَّل يَجِيءُ عنده في‏:‏ «الصحيح»، وفيه‏:‏ «فباعه من رسول الله صلى الله عليه وسلّم ‏(‏فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم ‏)‏ هو لك يا عبد الله بن عمر، تَصْنَعُ به ما شِئْتَ»‏.‏ اهـ‏.‏

فاعلم أولا أن القبضَ في المنقولات لا يتحقَّق عند الشافعية إلا بالنقل والتحويل، وعندنا بالتَّخْلِيَة بينه وبين المشتري‏.‏ أمَّا إن التَّخْلِيَة ماذا هي‏؟‏ فهذا ممَّا لا يَكَادُ يَنْضَبِطُ إلا بعد النظر إلى الجزئيات شيئًا‏.‏ ومعناها عندي‏:‏ رفع علائق مِلْكِهِ، وتمكينه للمشتري على أن يَقْبِضَهُ، وذلك قد يكون بالفعل، وأخرى بالقول، وتارةً بالقرائن‏.‏

وشُرِط في «أجناس الناطفي»، أن يقولَ باللسان‏:‏ خَلَّيْتُ بينه وبينك، وغير ذلك مما يُؤَدِّي مؤدَّاه‏.‏ وليس بضروريًّ عندي، وهذا الشرط لم أَرَهُ عند غيره‏.‏ ولنَذْكُر لك جزئيات ليتبيَّن لك الحالُ على جَلِيَّتِهِ، قالوا‏:‏ إنه لو باع فرسًا في الصحراء، فإن كان المشتري يستطيع أن يَقْبِضَهُ بدون إعانة غيره، تحقَّق القبض‏.‏ فكأنهم نظروا فيه إلى المُكْنَة فقط، ورَأَوْهَا كالقبض‏.‏ وقالوا‏:‏ إنه لو باع دارًا أو صندوقًا، وسَلَّم مفاتيحه، فهو قَبْضٌ‏.‏

وبالجملة إن القبضَ في البيع والهِبَة والرَّهْن يتحقَّقُ عندنا بالتَّخْلِيَةِ، والمُكْنَةِ على القبض، ولا يحتاج إلى القبض الحِسِّيِّ والنقل‏.‏ وأمَّا عند البخاري، فلا يُشْتَرَطُ عنده هذا ولا ذاك‏.‏ بل القبض عنده أعمُّ منهما، بأن المشتري لو أراده لم يَمْنَعْ عنه البائع، وإن بقيَ المبيع مشغولا بقبضه في الحالة الراهنة‏.‏ فكأنَّ القبضَ يَحْصُل عنده بمجرد الإِيجاب والقَبُول، ولا يحتاج بعد ذلك إلى أمرٍ آخر يُسَمَّى قبضًا‏.‏ لا أقول‏:‏ إنه عَيْنُهما، بل إنه قريبٌ منه‏.‏ فأضيقُ المذاهب فيه‏:‏ مذهبُ الشافعي، وأوسعُها‏:‏ مذهبُ البخاريِّ، ونحن في الوسط‏.‏ ثم إن التصرُّفَ قبل القبض لا يجوز عند الشيخين في المنقولات، وأمَّا عند محمد فمطلقًا‏.‏

إذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم أنه يُعْلَمُ من تراجم البخاريِّ أنَّ القبضَ عنده لا يحتاج إلى التَّخْلِيَةِ، ولا إلى النقل‏.‏ وأن تصرَّف المشتري يَصِحُّ عنده، قبل قبض المبيع، لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم اشترى بعيرًا من عمر، ولم يُوجَدْ منه القبض، بمعنى النقل، ولا بمعنى رفع العلائق والتمكين، فإنَّ ابن البائع كان راكبًا عليه، فأين التَّخْلِيَة‏؟‏ ثم النبيُّ صلى الله عليه وسلّم لمَّا وَهَبَهُ إياه، وُجِدَ التصرُّف منه في المبيع قبل القبض وحُوسِبَت قبضته الأولى عن القبض من جهة الهبة، ولم يَفْتَقِرْ لتماميتها إلى قبضٍ جديد‏.‏

فكلُّ ذلك توسعات محتملة عند المصنِّف، واستدلَّ له المصنِّف من قصّة جابر- في السنة الرابعة- الشهيرة بليلة البعير، ولا تمسُّكَ له فيها، لأنه كان ترك الجمل عند باب المسجد، فيُعَدُّ ذلك تَخْلِيَةً منه‏.‏ والجواب‏:‏ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لم يُرِدْ بذلك بيعًا، ولا شراءً، وإنما أراد أن يَمُنَّ عليه، فاختار صورة البيع فقط‏.‏ وإذن لا حاجةَ إلى حَمْلِهِ على البيع حقيقةً، والنظرِ إلى استيفاء شرائطه‏.‏

2097- قوله‏:‏ ‏(‏فَأَمَرَ بلالا أن يَزِنَ لي أُوقِيَّةً‏)‏، وفي بيان الثمن اختلافٌ كثيرٌ، وكذا في أن جابرًا هل اشترط ظَهْرَهُ إلى المدينة، أم لا‏؟‏ فإن قُلْنَا‏:‏ إنه اشترط ظَهْرَهُ، فهذا شرطٌ مُفْسِدٌ للبيع، كيف وفيه منفعةٌ لأحد العَاقِدَيْنِ، وذا لا يَجُوزُ على أصلنا‏.‏ والجواب أن الشَّرْطَ لم يَكُنْ في صُلْب العقد، ولكنه استعار منه بعد تمامية العقد، وفي مثل ذلك لا تُتَّبَعُ ألفاظ الرواة، فإنهم يُقَدِّمُون، ويُؤَخِّرُون‏.‏ وإنما همُّهم في سَرْدِ القصة دون أنظار الفقهاء ليُرَاعُوها في تعبيراتهم، وإنما أرادوا أن يَذْكُرُوا بيان ما اشتملت عليه تلك الليلة على شاكلة القصة بدون مراعاة شرائط البيع‏.‏ وغير ذلك‏.‏ على أنك قد عَلِمْتَ أنه لم يكن هناك بَيْعٌ ولا شِرَاءٌ، ونحوه‏.‏

أقول في ليلة المِعْرَاج‏:‏ إنه لم يكن هناك نَسْخٌ من الخمسين إلى الخمس، كما فَهِمُوه، بل كان طريقَ بيانٍ للمُرَادِ، وإلقائه بدفعات، ليكونَ أوقعَ في النفس، وأحظى للضيف‏.‏ وقد قرَّرناه سابقًا، ويجيء الحديث في «الصحيح»، مع إيضاح بيانٍ‏.‏

باب‏:‏ شِرَاءِ الإِبِلِ الهِيمِ، أَوِ الأجْرَب

قوله‏:‏ ‏(‏المُخَالِفُ للقصد في كُلِّ شيءٍ‏)‏ أي الذي يَخْبِطُ في مَشْيِهِ، فهذا عيبٌ‏.‏ وغرضُ المصنِّف‏:‏ أن المشتري إذا رَضِيَ بالعيب بعد ما اشتراه، ولم يكن رآه، فله ذلك، وإن بدا له أن يَرُدَّهُ على البائع، فله ذلك أيضًا‏.‏

باب‏:‏ بَيعِ السِّلاحِ في الفِتْنَةِ وَغَيرِهَا

ولا بأسَ به إذا لم يَكُنْ حَرْبٌ، ولم يُوجِبْ إعانتهم، وإلا فلا يجوز‏.‏

باب‏:‏ فِي العَطَّارِ وَبَيعِ المِسْك

وذكر المصنِّفُ فيه تمثيلا غريبًا من صاحب النبوة‏.‏ وأَمْعِنْ النظر فيه، فإني لم أَرَ من البشر أحدًا أعجب تمثيلا من الأنبياء عليهم السلام، فإنه يكون أَوْفَى بالمعاني، وأَقُرَبَ إلى الواقع، وأدلَّ على المراد، وأحلى للعين والسمع، ومن لا يُرَاعِيه يَظُنُّهُ كسائر التمثيلات‏.‏ وراجع «القاموس» للفرق بين السَّوْء والسُّوء‏.‏ ثم «الكِير» ‏(‏بهتى‏)‏، «والكور» ‏(‏دهونكنى‏)‏‏.‏

باب‏:‏ ذِكْرِ الحَجَّام

2102- قوله‏:‏ ‏(‏يُخَفِّفُوا من خَرَاجِهِ‏)‏ أي خَرَاج الرؤوس، وهو ما وظَّفَه عليه مولاه أن يَكْتَسِبَ، ويُؤَدِّي إليه من دراهم كذا، لا خَرَاج الأراضي‏.‏

باب‏:‏ التِّجَارَةِ فِيما يُكْرَهُ لُبْسُهُ للرِّجالِ وَالنِّسَاء

باب‏:‏ صَاحِبُ السِّلعَةِ أَحَقُّ بِالسَّوْم

واعلم أن البيعَ عندنا يَسْتَدْعِي قيام المِلْك دون حِلّ الانتفاع، فمن باع ما لا يجوز لُبْسُهُ للرجال جاز له بيعه، وإن لم يَجُزْ له لُبْسُهُ، وإنما يَنْظُرُ فيه المشتري، أنه هل يجوز له أو لا‏.‏

2105- قوله‏:‏ ‏(‏اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً‏)‏- ‏(‏تكيه يا كدا‏)‏، وفي لفظٍ‏:‏ «قِرام سِتْرٍ»، كما في كتاب اللباس‏.‏ ثم اعلم أن التصاوير إذا كانت مقطوعة الرأس، فصارت كالشجرة، أو مُمْتَهَنَةً، أو صغيرةً جدًا بحيث لا تبدو للناظر، جازت أن تكونَ في البيوت‏.‏ أمَّا إنها تَمْنَعُ دخول الملائكة، أو لا‏؟‏ فذلك بحثٌ آخر‏.‏ ولعلَّهم لا يَدْخُلُونها مع جوازها، لأن لهم مُنَافَرَةً طبيعيةً منها، فجوازها لا يُوجبُ عليهم دخولها أيضًا، فهؤلاء على شرعهم، وهؤلاء على طَبْعِهِمْ‏.‏

2105- قوله‏:‏ ‏(‏أَحْيُوا ما خَلَفْتُمْ‏)‏‏.‏ كان الكلام في الثوب المُصَوَّر، إلا أنه انتقل منه إلى فِعْل التصوير، وذلك الفعل حرامٌ مطلقًا‏.‏ وهذا هو الصنع في أحاديث الفاتحة، حيث كان الكلام في المقتدي، ثم انتقل منه إلى الجنس‏.‏

وكذا في قوله‏:‏ «لا صَامَ من صَامَ الدَّهْرَ»، ثم ذكر بعده فضيلته‏.‏ وهكذا في حديث النهي عن البُصَاق في المسجد، وأن كفارتها دفنها‏.‏ كان الحديث في أحكام المسجد، ثم انتقل إلى أحكام البُصاق في الصلاة، فاختلف في شرحه النووي، والقاضي عِيَاض، وراجع «شرح مسلم» للنووي، وقد قرَّرْنا كلَّ ذلك من قبل‏.‏

باب‏:‏ كَمْ يَجُوزُ الخِيَار

وقد كان يَحْظُرُ بالبال أن في تراجمه سوءَ ترتيبٍ، فإنه قد تعرَّض إلى كيفيات الخِيَار قبل تقرُّر حقيقته‏.‏ والذي يَتَبَادَرُ إلى الذهن أن يُتَرْجِمَ أولا على نفس الخيار ثم إلى سائر كيفياته‏.‏ وتبيَّن آخِرًا أن المصنِّفَ جعل الخِيَارَ في البيع أصلا، وعدمه تَبَعًا على خلاف نظر الحنفية‏.‏ فإذا كان الخِيَار عنده أصلا، لم يَرَ حاجة إلى تقديمه، لكونه مفروغًا منه عنده، ودخل في فروعه‏.‏

21075- قوله‏:‏ ‏(‏إن المُتَبَايِعَيْنِ بالخِيَار في بَيْعِهِمَا ما لم يتفرَّقا، أو يكون البيعُ خِيَارًا‏)‏، وفي لفظَ‏:‏ ‏(‏أو يقول أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ‏:‏ اخْتَرْ، وربما قال‏:‏ أو يكونُ بيعَ خِيَارٍ‏)‏، اعلم أن الخِيَارَ عندنا‏:‏ إمَّا خيار الشرط، أو الرؤية، أو العَيْب، أو خيار القَبُول‏.‏ ولا عِدَةَ بخِيَار المَجْلِس، وهو مذهب مالك، واعتبر به الشَّافِعيَّة، وأحمد، وقالوا‏:‏ إن للعَاقِدَيْن خِيَارًا بعد الإِيجاب والقَبُول أيضًا يُسَمَّى بخِيَار المَجْلِس‏.‏ وذا يَقْتَصِرُ على المَجْلِس فقط، فكلٌّ منهما في مُكْنَةٍ بين فَسْخ البيع وإمضائه، ما داما في المَجْلِس، فإذا تفرَّقا عنه لم يَبْقَ لهما هذا الخِيَار، وتحتَّم البيع‏.‏ وقال الحنفيةُ‏:‏ إن البيعَ يَتِمُّ بالإِيجاب والقَبُول، فإذا فَرَغَا منه لم يَبْقَ لهما خيارٌ لزوميٌّ في الرَّدِّ والقَبُول، إلا أن يكونا شَرَطَا الخيار‏.‏

ثم قال الشافعيةُ‏:‏ إن خِيَار المَجْلِسِ ينتهي بقول أحدهما للآخر‏:‏ اخْتَرْ، فإذا قال أحدهما للآخر‏:‏ اخْتَرْ، وقال له الآخر‏:‏ اخْتَرْتُ، تمَّ العقدُ، وانتهى الخِيَار الذي كان لهما في المَجْلِسِ، عند القائل به، ولم يَبْقَ لهما بعد ذلك خِيَارٌ تفرَّقا عن المجلس، أو لا، إلا أن يكونا شَرَطَا خِيَارَ الشرط‏.‏ فحينئذٍ يبقى الخِيَارُ بعد المَجْلِس أيضًا‏.‏

فالحاصل أن القول‏:‏ «اخْتَرْ اخْتَرْ» لقصر الخيار الممتدّ إلى المَجْلِسِ، وشَرْطِ الخِيَار لامتداده إلى ما وراء المَجْلِسِ أيضًا‏.‏ وبهذا تبيَّن شرح الحديث‏:‏ فإن حملنا قوله‏:‏ «أو يكون البيع خِيَارًا» على خِيَارِ الشرط يكون لامتداده إلى ما وراء المَجْلِسِ‏.‏ وإن أردنا منه القول‏:‏ «اختر»، فهو لقصره في المَجْلِسِ‏.‏

قلتُ‏:‏ والظاهر من قوله‏:‏ «أو يكون البيع خِيَارًا»‏:‏ هو خِيَار الشرط، كما في اللفظ الآخر‏:‏ «أو يكون بيعَ خِيَارٍ» بالإِضافة، فإنه يَدُلُّ على التنويع، وحملُه على القول‏:‏ «اخْتَرْ اخْتَرْ»، ركيكٌ‏.‏ ولمَّا ورد هذا القول أيضًا في بعض الروايات، وَجَبَ علينا أن نتكلَّم عليه‏.‏

فاعلم أنهم افْتَرَقُوا في شرح الحديث على فِرْقَتَيْنِ‏:‏ فقال الشافعيةُ‏:‏ إن المراد من التفرُّق هو التفرُّق بالأبدان، فهما على خِيَارهما قبل التفرُّق بالأبدان، وإن كانا فَرَغَا عن منطق الإِيجاب والقَبُول‏.‏ ثم إن هذا الخِيَار إمَّا ينتهي ب- ‏:‏ «اخْتَرْ اخْتَرْ»، أو يمتدُّ إلى ما وراء المَجْلِسِ حسبما اقتضى كلامهما‏.‏

وقال محمد منَّا‏:‏ هذا على الافتراق بالأقوال، فإذا قال البائعُ‏:‏ قد بِعْتُ منك، وقال المشتري‏:‏ قد قَبِلْتُ، فقد تفرَّقا، وانقطع خِيَارُهُما‏.‏ لأن الذي كان لهما من الخِيَارِ‏:‏ هو ما كان للبائع أن يُبْطِلَ قوله للمشتري‏:‏ وقد بِعْتُكَ هذا العبد بألف درهمٍ، قبل قَبُول المشتري، فإذا قَبِلَ المشتري، فقد تفرَّق هو والبائع، وانقطع الخيارُ‏.‏ فهذا كما ذكر الله عز وجل في الطلاق ‏{‏وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مّن سَعَتِهِ‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 130‏)‏، فكأنّ الزوجَ إذا قال للمرأة‏:‏ قد طَلَّقْتُكِ على كذا وكذا، فقالت المرأة‏:‏ قد قَبِلْتُ، فقد بانت، وتفرَّقا بذلك القول، وإن لم يتفرَّقا بأبدانهما‏.‏ فكذلك إذا قال الرجل للرجل‏:‏ قد بعتك عبدي هذا بألف درهم، فقال المشتري قد قبلتُ، فقد تفرّقا بذلك القول، وإن لم يتفرّقا بأبدانهما، كذا ذكره الطَّحَاوِيُّ‏.‏ ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 103‏)‏ أي التفرُّق عن الكلمة، وفي الكُتُب‏:‏ افترقوا عن كلمةٍ واحدةٍ‏.‏

قلتُ‏:‏ والأَوْلَى عندي أن يُقَال‏:‏ إن المراد من التفرُّق هو التفرُّق بالأبدان، كما هو عندهم، لكنه كِنَايةٌ عن التفرُّق بالأول، والفراغ عن العقد، لأنهما بعد فراغهما عن العقد في مُكْنَةٍ من التفرُّق بالأبدان، فالتفرُّق بالأبدان مُكَنَّى به، والتفرُّق بالأقوال مُكَنَّى عنه‏.‏ وقد مرَّ منا عن قريبٍ‏:‏ أن اللفظ في الكناية لا يَخْرُجُ عن المعنى الموضوع له، وإن كان الغرضُ في لوازمه، وروادفه‏.‏ وإن شِئْتَ قُلْتَ‏:‏ إن التفرُّقَ بالأبدان عنوانٌ للتفرُّق بالأقوال، وصادق عليه صدق العنوان على المُعَنْوَن‏.‏

وبالجملة إذا كان التفرُّقُ كنايةً عن الفراغ، لم يَبْقَ فيه بُعْدُ لغةٍ أيضًا، ومن ههنا تبيَّن سرُّ تعبير الفراغ عن التفرُّق في القرآن أيضًا‏.‏ ثم إن ما ذكره الطَّحَاويُّ في تقرير كلام محمد هو الصواب عندي، وإليه تُرْشِدُ عبارته في «موطئه»‏.‏ فما فَهِمَهُ ملا الهداد في «حاشية الهداية» صوابٌ، وأمَّا ما ذَكَرَهُ ابن الهُمَام في «شرحه»، فبعيدٌ عندي‏.‏ فإنه حمل التفرُّق بالأقوال على تفريقهما في الصَّفْقَة، فيقول هذا شيئًا، وهذا شيئًا، نحو إن قال البائع‏:‏ بِعْتُه بمئة، وادَّعَى المشتري أنه باعه بخمسين مثلا، فهذا هو التفرُّق المَعْنِي في الحديث عنده‏.‏

وإنما حمل الشيخ ابن الهُمَام على المعنى المذكور، لِمَا اشتهر عن محمد‏:‏ أن التفرُّقَ عنده على التفرُّق بالأقوال، فَحَمَلَهُ على الاختلاف في الأقوال، وليس بصوابٍ، فإن محمدًا لم يُرِدْ من التفرُّق بالأقوال ما فَهِمَهُ، فالصواب ما فَهِمَهُ ملا الهداد‏.‏

وبالجملة ليس مدلول العبارة عند محمد أيضًا إلا التفرُّق بالأبدان، إلا أن مناط الحكم عنده هو فراغهم عن الإِيجاب والقَبُول، وهذا هو الذي عَنَاه من التفرُّق بالأقوال، لا كما فَهِمَه ابن الهُمَام‏:‏ أنه عبارةٌ عن عدم ارتباط الإِيجاب والقَبُول‏.‏

وقال عيسى بن أَبَان‏:‏ الفُرْقَةُ التي تَقْطَعُ الخِيَارَ المذكور في هذه الآثار هي الفُرْقَةُ بالأبدان، وذلك لأن الرجلَ إذا قال للرجلِ‏:‏ قد بِعْتُكَ عبدي هذا بألف درهم، فللمُخَاطَبِ بذلك القول أن يَقْبَلَ ما لم يُفَارِقْ صاحبه، فإذا افترقا لم يكن له بعد ذلك أن يَقْبَلَ‏.‏ قال‏:‏ ولولا أن هذا الحديث جاء، ما عَلِمْنَا ما يَقْطَعُ ما للمُخَاطَب من قَبُول المخاطبة التي خاطبه بها صاحبه، وأَوْجَبَ له بها البيع‏.‏ فلمَّا جاء هذا الحديث، عَلِمْنَا أن افتراقَ أبدانهما بعد المخاطبة بالبيع يَقْطَعُ قَبُول تلك المخاطبة‏.‏ وقد رُوِيَ هذا التفسير عن أبي يوسف، كذا في الطحاويِّ‏.‏

فالفُرْقَةُ على هذا التقدير هي الفُرْقَةُ بالأبدان، كما قال الشافعيةُ، إلا أنهم أرادوا من الخِيَار خِيَارَ المَجْلِسِ، وأراد منه أبو يوسف خِيَارَ القَبُول‏.‏ وقد عَلِمْنَا من كلامه كلِّيَّةً، وهي‏:‏ أن المَجْلِسَ جامعٌ للمتفرِّقات، فهما على خِيَارٍ بين القَبُول والرَّدِّ، وزيادة الثمن ونُقْصَانِهِ ما دام المَجْلِسُ باقيًا، فإذا تفرَّقا عن المَجْلِسِ انقطع الخيارُ، وتمَّ البيعُ‏.‏ ولا يَرْتَبِطُ بعد المَجْلِسِ قَبُولُه من إيجابه، بل يحتاج إلى إيجابٍ مُسْتَأْنفٍ، بخلافه في المَجْلِسِ، فإن القَبُولَ يَرْتَبِطُ مع الإِيجاب، وما ذاك إلا لكون المَجْلِسَ جامعًا للمتفرِّقات‏.‏ وحينئذٍ شرح قوله‏:‏ أو «يَخْتَارَا» أي يَخْتَارَا البيعَ بالإِيجاب والقَبُول، فحينئذٍ يتمُّ العقدُ؛ ولا يبقى له خيارُ القَبُول في المَجْلِسِ أيضًا‏.‏ ومعنى قوله‏:‏ «إلا أن يكون بيعَ خِيَارٍ»، أي فحينئذٍ يمتدُّ خِيَارُه إلى ما وراء المَجْلِسِ، ولا ينتهي بالإِيجاب والقَبُول‏.‏ ولولا هذا الشرط لانتهى بعد القَبُول، وتمَّ العقدُ بتًا‏.‏

فتحصَّل من المجموع ثلاثة شروح‏:‏ شرحٌ للحجازيين وشرحٌ لمحمد، وشرحٌ لأبي يوسف، وتبيَّن في ضِمْنِه الجواب عن الحديث أيضًا‏.‏ ومحصَّل الخلاف بيننا وبين الشافعيِّ‏:‏ أن الخِيَارَ عنده بعد اختتام الإِيجاب والقَبُول، يبقى إلى المَجْلِسِ، وهو عندنا في نفس الإِيجاب والقَبُول، لا بعدهما‏.‏ وقال فاضلٌ من الحنفية في شرح الحديث بجميع ما قاله الشافعيةُ، إلا أنه حَمَل خِيَارَ المَجْلِسِ على الاستحباب، لا على الوجوب‏.‏ فإذا كان المَجْلِسُ باقيًا، وأراد المشتري أن يَرُدَّ على البائع بَيْعَهُ، يُسْتَحَبُّ له أن يَرُدَّه، فإن الإِقالةَ مُسْتَحَبَّةٌ في الأحوال كلِّها، فلا مخالفة فيه للمذهب‏.‏ وحينئذٍ لا خلافَ بيننا وبين الشافعية، إلا أنهم أخذوا هذا الخِيَار على الوجوب، وحَمَلْنَاهُ على الاستحباب‏.‏

والحافظ نقله في «الفتح»، ولم يَرْضَ به، كما أنه لم يَرُدَّه أيضًا، وهو المختارُ عند شيخنا- شيخ الهند- محمود حسن رحمه الله، ويُؤَيِّدُهُ ما عند أبي داود‏:‏ «حتى يتخايرا ثلاثًا»، فإن الكلَّ حملوه على الاستحباب دون الوجوب‏.‏

أمَّا قولُهم‏:‏ إن ابن عمر راوي الحديث، ومذهبُه ما ذَهَبَ إليه الشافعيةُ‏:‏ أن المرادَ من الفُرْقَةِ الفرقةُ بالأبدان‏.‏ فقيل في جوابه‏:‏ إنه من رَوَى لك هذا، ولا حُجَّةَ لك في افتراقه بعد العقد، لأنه يجوز أن تكون تلك الفُرْقَة عنده على الاستحباب، فيكون يُفَارِقُ صاحبَه استحبابًا‏.‏ كيف ولو لم نَحْمِلْهُ على هذا المعنى، لَزِمَ أن يكون مرتكبًا لأمر حرامٍ عندكم، والعياذ بالله‏.‏ أليس قد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم «ولا يَحِلُّ له أن يُفَارِقَ صاحبَه، خَشْيَةَ أن يَسْتَقِيله»، وهذا الحق واجبٌ عندكم، ومُسْتَحَبٌّ عندنا، فَيَلْزَمُ عليكم ترك الحق الواجب، فلا حُجَّةَ لكم في فعل ابن عمر‏.‏

قلتُ‏:‏ أمَّا كون خيار المَجْلِسِ مُسْتَحَبًّا عندنا، فذاك أمرٌ أوجده المتأخِّرون من عندهم على طريق المعارضة، وليس منقولا عن الإِمام‏.‏ كما أن ترك الفاتحة للمقتدي رُوِي عن الإِمام، أمَّا إن هذا الترك في أيِّ مرتبةٍ هو‏؟‏ فذلك أمرٌ أوجده المتأخِّرون، وليس مَرْوِيًّا عن الإِمام، فذهب ابن الهُمَام أنها مكروهةٌ تحريمًا‏.‏ وزَعَمَ الناسُ أن تلك الكراهة مَرْويّةٌ عن الإِمام، مع أنا لا نجدها مَرْوِيَّةً عن إمامنا في موضعٍ‏.‏ غير أن النهيَ عن القراءة إذا نُقِلَ عنه، ذهبت أذهانُ الناس تَبْحَثُ عن مراتبه، فحملها بعضُهم على الكراهة‏.‏ فهكذا الأمرُ في استحباب خِيَار المَجْلِسِ، فإنه لم يُنْقَلْ عن إمامنا، وإنما قاله المتأخِّرون احتمالا وبحثًا، على طَوْرِ المعارضة لا على طريق المذهب‏.‏

بقي الجواب عن فعل ابن عمر، فأقولُ‏:‏ إنه وإن كان راوي الحديث، لكنه فعله فقط، ولا يَدُلُّ على كونه تَعَامُلا فيما بين الصحابة أيضًا‏.‏ حتى نُقِلَ عن مالك‏:‏ أنه كان يَشْرَحُ هذا الحديث، إذ جاءه ابن أبي ذِئْب، وكلَّمه فيه، فقال له مالك‏:‏ ليس العملُ عليه في بلدتنا، وأَمَرَ بإِخراجه عن المَجْلِسِ‏.‏ فذلك وإن لم يَسْتَحْسِنْهُ العلماءُ، إلا أنه يَدُلّ على عدم تعامل الصحابة، وتوارثهم في البلدةِ المُطَهَّرَةِ، وكفانا بهم قُدْوَة‏.‏

باب‏:‏ إِذَا لَمْ يُوَقِّتْ في الخِيَارِ هَل يَجُوزُ البَيع

والخيارُ عندنا، وعند الشافعي مُؤَقَّتٌ بثلاثة أيام، ولم يُؤَقِّتْهُ صاحباه بشيءٍ، ولعلَّه مختار البخاريِّ‏.‏

2109- قوله‏:‏ ‏(‏ما لم يتفرَّقا، أو يقولُ أحدُهما لِصاحبه‏:‏ اخْتَرْ، وربما قال‏:‏ أو يكونُ بيعَ خِيَارٍ‏)‏، واعلم أنك قد عَلِمْتَ الفرق بين الخياريْن‏.‏ فإن قوله‏:‏ اخْتَرْ اخْتَرْ، لقطع الخيار في المجلس، وبيعُ الخيار، لِمَدِّهِ إلى ما وراء المجلس‏.‏ فهما معنيان، والشَّكُّ بينهما غيرُ مناسبٍ، وإنما يُنَاسِبُ فيما يتَّحِدُ في المعنى، ويَخْتَلِفُ في اللفظ‏.‏ أمَّا إذا اختلف المعنى، فلا يُنَاسِبُ الشَّكُّ فيه، لأنه لا معنى لقوله‏:‏ «أو يقولُ أحدُهما لصاحبه‏:‏ اخْتَرْ، أو يكونُ بيعَ خِيَارٍ»، بالعطف‏.‏ إلا أن الرواةَ كثيرًا ما يَقْتَحِمُونَ مثله‏.‏

ومحصَّل الكلام‏:‏ أن في الحديث ثلاثة أشياء‏:‏ الأول‏:‏ خيارُ المَجْلِسِ‏.‏ والثاني‏:‏ القول‏:‏ اخْتَرْ اخْتَرْ‏.‏ والثالث‏:‏ خيار الشرط‏.‏ وتفسيرُ خيار الشرط بقوله‏:‏ اخْتَرْ اخْتَرْ، من أجل شكِّ الرواة في هذين في بعض المواضع، غيرُ مُلائِمٍ‏.‏ وتغييرُ معاني الألفاظ من أجل اختلاط الرواة، غيرُ مُنَاسِبٍ‏.‏ أَلا ترى أن قوله‏:‏ «بيع الخيار»- بالإِضافة- يعيِّن إرادة النوعية، فهو نوعٌ مستقلٌ، فلا يكون المرادُ منه القول‏:‏ اخْتَرْ اخْتَر‏.‏ ولا نُنْكِرُ ثبوته في الحديث، إنما نقول‏:‏ إنه معنى على حِدَة، وذلك على حِدَة، فلا يَتْبَعُ أحدهما الآخر في التفسير، فافهم‏.‏

باب‏:‏ البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا

لعلَّ المصنِّف اختار مذهب الشافعية‏.‏

باب‏:‏ إِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُما صَاحِبَهُ بَعْدَ البَيعِ فَقَدْ وَجَبَ البَيع

2112- قوله‏:‏ ‏(‏إذا تَبَايَعَ الرجلان، فكلُّ واحدٍ منهما بالخيار ما لم يتفرَّقا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ نقول‏:‏ معنى قوله‏:‏ «إذا تَبَايَعَ»، أي في حال الإِيجاب والقَبُول، ويقول الشافعية‏:‏ أي فَرَغَا عن الإِيجاب والقَبُول، وتَمَّ العقدُ‏.‏

2112- قوله‏:‏ ‏(‏وكانا جميعًا‏)‏، هذا اللفظ يَدُلُّ على أن المراد بالفُرْقَةِ، هو الفُرْقَةُ بالأبدان، إن قلنا‏:‏ إن الجميعَ معناه معًا، فإن المُتَبَادَر من الفُرْقَةِ بعد كونهما معًا‏:‏ الفُرْقَةُ بالأبدان‏.‏ إلا أن الصِّيرَافي كتب أنه يُسْتَعْمَلُ بمعنى الكلِّ أيضًا، فلم يكن صريحًا فيما فَهِمُوه‏.‏

2112- قوله‏:‏ ‏(‏أو يُخَيِّرُ أحدُهُمَا الآخرَ‏)‏ هذا صريحٌ في القول‏:‏ «اخْتَرْ»‏.‏

باب‏:‏ إِذَا كانَ البَائِعُ بِالخِيَارِ هَل يَجُوزُ البَيع

2114- قوله‏:‏ ‏(‏قال هَمَّامٌ‏:‏ وَجَدْتُ في كتابي‏:‏ يختارُ ثلاث مِرَارٍ‏)‏، وهو محمولٌ على الاستحباب عندنا‏.‏ ويقول الشافعيةُ‏:‏ إنه في المرَّة الأولى محمولٌ على الوجوب، وبعدها على الاستحباب‏.‏

باب‏:‏ إِذَا اشْتَرَى شَيئًا، فَوَهَبَ مِنْ سَاعَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، وَلَمْ يُنْكِرِالبَائِعُ عَلَى المُشْتَرِي، أَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَه

وهذا يَدُلُّ على أن المصنِّفَ سَلَك في باب الخيار مَسْلَكًا أوسع من الشافعية، كما مرَّ‏.‏ فإن الخيار عندهم إنما يَنْقَطِعُ بأمرين‏:‏ الأول‏:‏ بالفُرْقَةِ بالأبدان‏.‏ والثاني‏:‏ بالاختيار، ولا ثالث لهما‏.‏ والمصنِّفُ جعل تصرُّفَ المشتري بحضور البائع أيضًا مقام التفرُّق في قَطْعِ الخيار، فدل على أن الأمر لا يدور على هذين عنده، بل كُل ما يقوم مقامهما، فهو يعمل عملهما في قطع خيار المَجْلِسِ، فهذا توسُّعٌ منه‏.‏ ثم فيه‏:‏ إنه هل يُشْتَرَطُ التَّخْلِيَة في القبض، أم لا‏؟‏ وهل يجوز التصرُّف في المبيع قبل القبض، أو لا‏؟‏ وقد تكلَّمنا عليه عن قريبٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فَوَهَبَ من سَاعَتِهِ‏)‏، هذا تصرُّفٌ منه قبل القبض عندنا، إلا أن البخاريَّ لمَّا وسَّع في القبض، فهو تصرُّفٌ بعد القبض عنده‏.‏ فالقبضُ ضروريٌّ عنده أيضًا للتصرُّف، إلا أنه عمَّم القبض، وجعل أمارات الرضاء بعد الإِيجاب والقَبُول أيضًا من أنواع القبض، كما يَدُلُّ عليه قوله‏:‏ «ولم يُنْكِرِ البائعُ على المشتري»، فكأنه أمارةٌ على رضائه بتصرُّفه، فصار قبضًا‏.‏

2116- قوله‏:‏ ‏(‏وكانت السُّنَّةُ‏:‏ أن المُتَبَايِعَيْنِ بالخيار‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وقد مرَّ عن مالك أنه ليس عليه التعامُل، والسُّنَّةُ بمعنى الطريقة المسلوكة‏.‏

باب‏:‏ ما يُكْرَهُ مِنَ الخِدَاعِ في البَيع

2117- قوله‏:‏ ‏(‏قل‏:‏ لا خِلابة‏)‏‏.‏ وكان الرجل لَكِنًا، كما عند مسلم، فكان يقول‏:‏ لا خِيَابة، بدل خِلابة‏.‏ وعند البيهقيِّ بسندٍ جيدٍ، وكذا عند الحاكم زيادة‏:‏ «ولي الخيار ثلاثة أيام»، فَدَلَّ على أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم إنما عَلَّمه خيار الشرط‏.‏ واختلف الناسُ في توجيهات ما علَّمه النبيُّ صلى الله عليه وسلّم للاحتراز عن التغابُن‏.‏ ثم في تقريرها، وفيما نقلناه من الزيادة غُنْيَةٌ عن جميعها‏.‏ قال الشيخُ ابن الهُمَام‏:‏ إن الغَرَرَ إمَّا قوليٌّ، أو فِعْليٌّ، وتجب الإِقالةُ على العَاقِدَيْن في القوليِّ قضاءً، وفي الفِعْليِّ ديانةً، فاحفظه، فإنه يفيدك في مواضع‏.‏

باب‏:‏ ما ذُكِرَ فِي الأَسْوَاق

2118- قوله‏:‏ ‏(‏ثم يُبْعَثُونَ على نِيَّاتِهِمْ‏)‏‏.‏ فإن قلتَ‏:‏ من اتَّبَعَ الجيش الذي أراد أن يَغْزو الكعبة، فقد أعانهم، ولو في الجملة، فكيف يُبْعَثُ على نيِّته، وما العبرةُ بها بعد أن أعانهم‏؟‏ قلتُ‏:‏ ولكنه فيما خَرَجَ الجيشُ لأن يَغْزُوَ غير مكَّة، ثم بدا له أن يَغْزُوَها أيضًا- والعياذ بالله- فلم يتمكَّن هؤلاء أن يتخلَّفُوا عنهم لمكان المصالح، فاتَّبَعُوه، وقلوبهم تَمَلْمَلُ، وأعينهم تَغْرَوْرِقُ بالدموع، فهؤلاء الذين يُبْعَثُون على نيَّاتهم‏.‏ أمَّا مَن عَلِمَ من أول الأمر أن الجيشَ يريد الكعبةَ، ثم اتَّبَعَهُ فلا نِيَّة لهم، وهو معهم في الدنيا والآخرة‏.‏ وإنما يُخْسَفُ بالأول والآخر، لأن ذلك من سُنَّة الله، إن من لم يَهْرُب من عذاب الله يَقَعُ فيه‏.‏ ولذا أمر نوحًا عليه السلام أن يَرْكَبَ السفينة مع من آمن، وأمر لوطًا عليه السلام أن يَخْرُجَ من قومه، بل أمره أن لا يَلْتَفِتَ إليهم‏.‏

ولو كان العذاب يَقَعُ على بلدٍ، ويَنْجُو منه المؤمنون لتميَّز الحقُ عن الباطل قبل أوانه، ولم تَبْقَ هذه الدار دار الابتلاء‏.‏ وإنما أراد الله سبحانه من التمحيص والتمييز في الدنيا بقدر ما لا يُوجِبُ رفع التكليف، والإِيمان بالغيب، فلم يَزَلْ التمحيصُ والتمييزُ، وهو من أهم مقاصد الغزوات، إلا أنه كان في ذيل الأسباب‏.‏

ومن ههنا تبيَّن السِّرُّ في ابتلاء الصَّبِيِّ بالمرض، مع أنه لا ذنبَ له، وذلك لأنه أراد أن يبقى الأمر غيبًا‏.‏ فالعصاةُ تُبْتَلى نقمةً، والمؤمنون والصبيان رحمةً وتسبيبًا، ولا ظلمَ في التسبيب، فإن الله تعالى قد نبَّه على خواصِّ الأشياء‏.‏ فمن يأكل السَّمَّ يموت، فلا اعتراض على الله سبحانه، وإنما الذنبُ على من أكله‏.‏ فابتلاء الصبيان من هذا القبيل، لا أنه انتقام منه تعالى، وإنما كان الظلمُ لو لم يُنَبِّه عليها، أو لو قَهَرَه على أكلها‏.‏ وأمَّا بعد أن هداه النَّجْدَيْن، ومَنَحَه السمعَ والعينَ، فمن اقترفها، فعليه اللَّوْمُ والشيْنُ‏.‏

فائدةٌ جليلةٌ‏:‏ واعلم أن الثقةَ في الرواة ليست باعتبار كونهم أولياء، بل باعتبار فنِّهم، فهي باعتبار الأعمال الظاهرة فحسب‏.‏ فالثقات قد رَكِبُوا الأغلاط، وحَادُوا في بعض المواضع عن طريق الصواب أيضًا‏.‏ وإنما نعني بالأغلاط‏:‏ التغيير في الألفاظ، ومن حَيْدهم عن طريق الصواب‏:‏ عدم إنصافهم في المسائل المُخْتَلَفِ فيها، إلا في مواضع‏.‏ ومن جرَّب يُصَدَّقْ، ومن جَهِلَ يُكَذَّبْ‏.‏

2120- قوله‏:‏ ‏(‏سَمُّوا باسْمِي‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ والكلامُ فيه طويلٌ، ذكروه في الشروح‏.‏ والذي يتبيَّنُ من عادة العرب أنهم إذا عَظَّمُوا أحدًا لم يدعوه باسمه، ولكن بكُنْيَتِهِ‏.‏ فلم يكن في التسمية باسمه التباسٌ، لأنهم لم يكونوا يَدْعُونَهُ باسمه المبارك‏.‏ بخلاف التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ، لأنه يُوجِبُ الالتباس، فنهاهم عنه‏.‏ وذلك أيضًا يَقْتَصِرُ على عهده صلى الله عليه وسلّم وأمَّا بعد وفاته، فجائزٌ كلُّهُ‏.‏

2122- قوله‏:‏ ‏(‏السِّخَاب‏)‏‏:‏ في الأصل عصارة الشجرة ‏(‏آنوله‏)‏ يُحِطُون فيه الطيب، ثم يَتَّخِذُون منها قِلادةً، وترجمة «اللُّكَع»‏:‏ اجى‏.‏

2123- قوله‏:‏ ‏(‏حتى يَنْقُلُوه‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، تمسَّك به الشافعيةُ على اشتراط النقل في القبض‏.‏ قلنا‏:‏ كيف وقد وَرَدَ فيه ألفاظٌ متغايرةٌ‏:‏ ففي لفظٍ‏:‏ «حتى يَسْتَوْفِيه»، كما عند البخاري‏.‏

وفي لفظٍ‏:‏ «حتى يَقْبِضَه»‏.‏ فلم يتعيَّن لفظُ النقل، لنجعله مَدَارًا‏.‏ والوجه عندي أن الكلَّ جائزٌ، كالواجب المخيَّر، والمناطُ فيها التَّخْلِيَة‏.‏ وقد مرَّ‏:‏ أن الأحوطَ عند اختلاف الألفاظ العملُ بالقدر المشترك، وهو التَّخْلِيَة، فالنقلُ نوعٌ منه، لأن القبضَ مُنْحصِرٌ فيه‏.‏ على أنا نقول‏:‏ إن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم أمرهم بالنقل تعزيرًا لهم، لأنهم كانوا يتلقُّون الرُّكْبَان، قبل أن يَنْزِلُوا السوق، فنهاهم أن يتلقُّوا الجَلَبَ، وأَلْزَمَ عليهم النقل تعزيرًا، كما يَدُلُّ عليه ما عند البخاريِّ في باب ما يُذْكَرُ في بَيْعِ الطعام‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، قال‏:‏ «رأيت الذين يشترون الطعام مجازفةً يُضْرَبُون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يَبِيعُوه، حتى يُؤْدُّوهُ إلى رِحَالهم»، ونحوه في باب من رَأَى إذا اشترى طعامًا جِزَافًا اهـ‏.‏

والحاصلُ أنه إذا اختلفت الألفاظ، آل الأمرُ إلى الاجتهاد‏.‏

باب‏:‏ كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ في السُّوق

2125- قوله‏:‏ ‏(‏لَقِيتُ عبد الله بن عمرو بن العَاصِ‏)‏، وكان عنده صحيفة الأحاديث، سمَّاها صادقةً، وكان من علماء التوراة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنه لموصوف في التوراة‏)‏‏.‏ واعلم أن التوراةَ كانت كتابًا كبيرًا، إلا أنها الآن اسمٌ للصُّحُف الخمسة التي نزلت على موسى عليه السلام، ومنها «الاستثناء»، وهذا غلطٌ في الاسم‏.‏ وقد يُقَال له‏:‏ «التثنية»، و«المثنَّى» أيضًا، وهذان صحيحان في الجملة‏.‏ وإنما سُمِّيَ بهما لتكرار الأحكام فيه، فصحَّ عليه إطلاق «المثنَّى»‏.‏ أمَّا إطلاق «الاستثناء»، فلا معنى له ههنا‏.‏ ثم إن التوراةَ في مصطلح أهل الكتاب اشتهرت في كل صَحِيفَةٍ نزلت بعد موسى عليه السلام إلى ملاكي عليه الصلاة والسلام، وهو المراد ههنا‏.‏ لأن ما ذكره من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم أصله في الإصحاح الاثنين والأربعين تقريبًا، من صَحِيفة شَعْيَاء عليه الصلاة والسلام، وليست في الأَسْفَار الخمسة، كذا عن وَهْبِ بن مُنَبِّه‏.‏

وهكذا وقع في إطلاق الإِنجيل، فإنه اسمٌ عند أهل الإِسلام لما أُعْطِي عيسى عليه السلام‏.‏ وأمَّا عند النَّصَارى، فهم يُطْلِقُونَه على مجموعةٍ عندهم، فيها كلام الحَوَارِيِّين وغيرهم أيضًا‏.‏ فإن الاثنين منهم ليسا من الحَوَارِيِّين، نعم، وآخران حَوَارِيَّان‏.‏ أما بولوس فكان فلسفيًا، أراد إفساد الدين العِيسَوَي‏.‏

ثم ههنا إشكالٌ، وهو أن القرآن يُصَدِّقُ الكِتَابَيْنِ، مع أنهما لم يكونا في زمن نزوله إلا محرَّفَيْنِ‏.‏ وقد أجاب عنه ابن حَزْم في «الملل والنحل»، والحافظ ابن تيمية، ومولانا رحمه الله في «الاستفسار»، ولي أيضًا جوابٌ، ذكرته في محلِّه‏.‏

باب‏:‏ الكَيلِ عَلَى البَائِعِ وَالمُعْطِي

في «القُدُوري»‏:‏ أن من اشترى مَكِيلا مُكَايَلَةً، أو مَوْزُونًا موازنةً، فاكْتَالَهُ، أو اتَّزَنَهُ، ثم باعه مُكَايَلَةً، أو مُوَازنةً لم يَجُزْ للمشتري منه أن يَبِيعَه، ولا أن يأكلَه حتى يُعِيدَ الكيلَ والوزنَ‏.‏ اهـ‏.‏ وظاهره وجوبُ الكَيْلِ ثانيًا، ولو كَالَهُ البائعُ بحضور المشتري أيضًا‏.‏ إلا أن في «الهداية»‏:‏ إن الكَيْلَ إن كان بعد الإِيجاب والقَبُول بحضرة المشتري، أَغْنَى عن كَيْلِهِ لنفسه ثانيًا، وإن كان بغَيْبَةٍ لا بُدَّ له من إعادة الكَيْلِ‏.‏ وعلَّله باحتمال أن يَزِيدَ على المشروط، وذلك للبائع، والتصرُّفُ في مال الغير حرامٌ، فيجب له الكَيْلُ، لِيَحْتَرِزَ عنه، بخلاف ما إذا كَالَهُ بحضرته، لأن به يَصِيرُ البيعُ معلومًا‏.‏

قلتُ‏:‏ وهذا غير متجهٍ عندي، لأنَّا لو اعتبرنا مثل هذه الاحتمالات، لَزِمَ أن لا يَجُوزَ التصرُّفُ فيما إذا كان بحضرته أيضًا‏.‏ فإن الاحتمالَ لا ينقطع إلا إذا كَالَهُ هو بنفسه، بل لا ينقطع إذ ذاك أيضًا، فلا مُعْتَبَرَ به‏.‏ فالذي يتبيّن أن المشتري إن اعتمد على كَيْلِ البائع، جاز له أكله بدون إعادة الكَيْلِ، سواء كان بحضرته، أو بِغَيْبَتِهِ‏.‏

أما قوله صلى الله عليه وسلّم «نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصَّاعَان‏:‏ صاعُ البائع، وصاعُ المشتري»، رواه ابن ماجه، فقد حمله صاحب «الهداية» على تعدُّد الصَّفْقَتَيْنِ، وإن كان المُتَبَادَرُ منه أن يكونَ الصاعان فيه في صفقةٍ واحدةٍ‏.‏ وتقريرُه‏:‏ أن رجلا إذا اشترى طعامًا مُكَايَلَةً، واكْتَالَهُ بحضرة رجلٍ يُشَاهِدُه، فأراد الرجلُ أن يشتري منه ذلك الطعام، عليه أن يُعِيدَ الكَيْلَ على الحديث، لأنه صفقةٌ مستقلةٌ، فلا مُعْتَبَرَ بكَيْلِهِ- أي كيل بائعه، وهو المشتري الأول- بل عليه أن يَكِيلَه ثانيًا‏.‏

قلتُ‏:‏ ولي فيه أيضًا نظرٌ، وهو‏:‏ أنه إذا كان هناك ثالثٌ يُشَاهِدُ الكَيْلَ، فاشتراه، كفاه عن إعادة الكَيْلِ عندي، لأن المطلوبَ كون المبيع معلومًا، وقد حَصَل‏.‏ نعم إن كَالَهُ يُسْتَحَبُّ له ذلك، فلا حاجةَ إلى تعدُّد الكيل في الصفقتين أيضًا‏.‏

ثم اعلم أن صاحبَ «الهداية» حمل حديث جَرَيَان الصَّاعَيْنِ على اجتماع الصفقتين، كما صوَّرْنا، وهو معنى قوله‏:‏ إذا بِعْتَ فكِلْ، وإذا ابْتَعْتَ فاكْتَلْ‏.‏ فالكيلان في صفقتين، كما في حديث ابن ماجه المارِّ آنفًا‏.‏ وأمَّا إذا كانت الصَّفْقَةُ واحدةً، فلا حاجةَ إلى الكَيْلِ ثانيًا، بل كَفَاهُ كيل البائع إن كان بحضرته عند صاحب «الهداية»، وعندي مطلقًا إذا اعْتَمَدَ عليه‏.‏ ومنهم من حمله على الصفقةِ الواحدةِ، فقال‏:‏ إن المشتري إذا تصرَّف في الطعام الذي كَالَهُ البائعُ بحضرته، لم يَجُزْ لأجل هذا الحديث، وعليه أن يَكِيلَه ثانيًا، وهذا خطأٌ‏.‏

باب‏:‏ ما يُسْتَحَبُّ مِنَ الكَيل

2128- قوله‏:‏ ‏(‏كِيلُوا طَعَامَكُم‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ وهذا فيما يَأْخُذُ للأكل، أمَّا كيلُ جميع ما في الإِناء، فَمُمْحِقٌ للبركة‏.‏

باب‏:‏ بَرَكَةِ صَاعِ النبي صلى الله عليه وسلّم وَمُدِّه

وقد مرَّ الكلامُ فيه، وأنه ثَبَتَ الصاعان في عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلّم ثبوتًا لا مردَّ له، وأن صاعَنا شَاعَتْ في زمن عمر، وأنه من ثمرات بركة دعاء النبيِّ صلى الله عليه وسلّم وهو بالحَفْنَات‏:‏ ستُ حَفْنَاتٍ، كما أن صاعَ الشافعية بقدر أربع حَفْناتٍ متوسطةٍ‏.‏

باب‏:‏ ما يُذْكَرُ في بَيعِ الطَّعَامِ وَالحُكْرَة

قوله‏:‏ ‏(‏والحُكْرَة‏)‏ وهي في الفِقْهِ اسمٌ لِحَبْسِ الأشياء التي تحتاج إليها العامةُ، وراجع التفصيل من الفِقْهِ‏.‏

2131- قوله‏:‏ ‏(‏قال‏:‏ رَأَيْتُ الَّذِين يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفَةً يُضْرَبُون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ‏.‏ قد عَلِمْتَ فيما سَبَقَ أنه قرينةٌ على أن اشتراطَ النقل كان تعزيرًا لهم، وإليه أشار البخاريُّ في الباب الآتي، حيث قال‏:‏ باب من رأى إذا اشْتَرَى طعامًا جِزَافًا أن لا يَبِيعه حتى يِؤْدِيَهُ إلى رَحْلِهِ، والأَدبِ في ذلك‏.‏ انتهى‏.‏ والأدبُ هو التعزيرُ‏.‏

واعلم أن الطعامَ عند الشافعيِّ متميِّزٌ في الأحكام من سائر المكيلات، والمَوْزُوْنَات‏.‏ وأما عند السادة الحنفية، فكلُّها من بابٍ واحدٍ‏.‏

2132- قوله‏:‏ ‏(‏قلتُ لابن عبَّاسٍ‏:‏ كَيْفَ ذَاكَ‏)‏، أي ما وجهُ النهي عنه‏.‏

2132- قوله‏:‏ ‏(‏ذَاكَ دَرَاهِمُ بدَرَاهِمَ، والطَّعَامُ مُرْجَأٌ‏)‏، أي إذا اشترى من إنسانٍ طعامًا بدِرْهَمٍ إلى أجلٍ، ثم باعه، فهل له أن يَقْبِضَ بدِرْهَمَيْن‏؟‏ فذلك في التقدير بيع دِرْهَمٍ بدرهمين، والطعام مُرْجَأٌ، أي غائبٌ، فلا بُدَّ في البيع من استيفاء الطعام‏.‏

2134- قوله‏:‏ ‏(‏مَنْ عِنْدَه صَرْفٌ‏)‏، أي ذهبٌ وفِضَّةٌ، ويريد الصَّرْفَ فيه‏.‏

باب‏:‏ بَيعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَبَيعِ ما لَيسَ عِنْدَك

باب‏:‏ مَنْ رَأى إِذَا اشْتَرَى طَعَامًا جِزَافًا أَنْ لا يَبِيعَهُ حَتَّى يُؤْوِيَهُ إِلَى رَحْلِهِ،وَالأَدَبِ في ذلِك

وهذا القدرُ مُجْمَعٌ عليه، وإن اختلفوا في صور القبض‏.‏

2135- قوله‏:‏ ‏(‏لا أَحْسِبُ كُلَّ شيءٍ إلا مِثْلَهُ‏)‏ وظاهرُ عبارته تُوَافِقُ محمدًا في عدم جواز التصرُّف في المبيع قبل القبض مطلقًا‏.‏ وأمَّا عند الشيخين، فيَصِحُّ في العَقَار دون المنقولات، لأن العَقَار لا يَسْرِي إليه الهلاك‏.‏ قال المحشي‏:‏ اختلفوا في بيع المبيع قبل القبض، فقال الشافعيُّ‏:‏ لا يَصِحُّ سواء كان طعامًا أو عَقَارًا، وقال أبو حنيفة‏:‏ يجوز في العَقَار، وقال مالك‏:‏ لا يجوز في الطعام، ويجوز فيما سواه، كذا قاله الطِيبيُّ‏.‏

واعلم أن الاختلافَ المذكورَ إنما هو في البيع خاصةً، لا في سائر التصرُّفات، لأنهم جوَّزُوا الهِبَة والتصدُّقَ قبل القبض، كما في «النهاية» و«البحر» عن محمد‏.‏ ولذا تَرَى أربابَ المتون لم يَضَعُوا المسألةَ إلا في البيع‏.‏ ففي «الهداية»‏:‏ من اشترى شيئًا مما يُنْقَلُ ويُحَوَّلُ، لم يَجُزْ له بيعه، حتى يَقْبِضَهُ‏.‏ ويجوزُ بيع العَقَار قبل القبض عند أبي حنيفة، وأبي يوسف‏.‏ وقال محمد‏:‏ لا يَجُوزُ‏.‏

باب‏:‏ إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهُ عِنْدَ البَائِعِ، أَوْ ماتَ قَبْلَ أَنْ يُقْبَض

وفي نسخةٍ أخرى‏:‏ «فضاع»، بدل‏:‏ «فباع»، وهو الظاهرُ، لأن ترجمةَ البيع قبل القبض مرَّت آنفًا، وإنما أراد في تلك الترجمة التنبيه على حكم ضياع المبيع قبل القبض‏.‏ وحاصلُ الترجمة على ما فَهِمَهُ الشارحون‏:‏ أن المبيعَ إن هَلَكَ قبل القبض، هل يَهْلِكُ من مال البائع، أو المشتري‏؟‏ فالجمهور إلى أنه لو هَلَكَ قبل قبض المشتري، هَلَكَ من مال البائع، وبعده من مال المشتري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أَوْ مَاتَ‏)‏، أي فإن مات المشتري قبل القبض، فعلى وَرَثَتِهِ أن يَقْبِضُوه‏.‏ وإن مات البائعُ، فعلى أوليائه التسليمُ‏.‏ قلتُ‏:‏ وعندي‏:‏ أن المصنِّفَ لم يتعرَّض إلى تلك المسألة، بل تعرَّض إلى مسألة أخرى، وهي‏:‏ أن المشتري إذا اشترى المبيعَ، ثم وضعه عند البائع، فهل يَجُوزُ له أن يَبِيعَه وهو عند البائع‏؟‏ والذي يَظهَرُ من تراجمه أنه يَصِحُّ، لأن النقلَ ليس بشرطٍ عنده، كما مرَّ، فَصَحَّ لفظ‏:‏ «فباع» على ما في أكثر النُّسَخ‏.‏ أمَّا ما ذَهَبَ إليه أكثر الشارحين، فلا يَصِحُّ إلا على النسخة‏:‏ «فضاع»، مع أنها ليست في أحدٍ من النسخ الموجودة‏.‏

ثم قوله «أو مات»، المراد منه موت أحد العَاقِدَيْن، دون المبيع، لأنه لا يُقَال فيه‏:‏ مات، بل هَلَكَ، فتبيَّن أنه لا تعلُّق لترجمته بما ذَهَبَ إليه الشَّارِحُون‏.‏ نعم لو كانت النُّسخة‏:‏ «فضاع»، لكانت المسألةُ فيها ما ذَكَرُوها، ولكنها ليست في أحدٍ من النُّسَخِ المطبوعةِ‏.‏ ثم اختلف الحنفية‏:‏ أن الإِيجابَ، والقَبُول، هل يفيدان المِلْكَ، أو حقَّ المِلْكِ‏؟‏ وراجع له «حواشي الهداية»، فإن فيه بَسْطًا، وفي ذكرها كفايةٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال ابنُ عُمَرَ‏:‏ ما أُدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ حَيًّا مجمُوعًا، فهو من المُبْتَاع‏)‏، أي ما كان عند العقد غير ميِّتٍ، فلم يتغيَّر عن حالته، وكان في الخارج كما وَرَدَ عليه العقد، ووُصِفَ فيه، فهو للمشتري‏.‏ والمرادُ من الصَّفْقَةِ الإِيجابُ والقَبُول، والمراد من إدراكها شيئًا خرج كما وصف في العقد، وورد العقد عليه‏.‏ قال الطَّحَاوِيُّ‏:‏ ذهب ابن عمر إلى أن الصَّفْقَةَ إذا أَدْرَكَتْ شيئًا حيًّا، فَهَلَكَ بعد ذلك عند البائع، فهو من ضمان المشتري، فدَلَّ على أن ابن عمر كان يرى البيعَ تامًّا بالأقوال قبل التَّفْرِقَةِ بالأبدان‏.‏

باب‏:‏ لا يَبِيعُ عَلَى بَيعِ أَخِيهِ، وَلا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ أَوْ يَتْرُك

ففي الجملة الأولى إرشادٌ للبائع، وفي الثانية للمشتري، نحو‏:‏ إن كان رجلان يُسَاوِمَان، فَدَخَلَ بينهما ثالثٌ، فقال‏:‏ لا تشترِ منه، بل أنا أَبِيعُ منك، فهذا إضرارٌ لبائع‏.‏ وإن قال الثالثُ للبائع‏:‏ لا تَبِعْهُ منه، بل بِعْهُ مني، فهذا إضرارٌ للمشتري، فنهاهما أن يُضَارَّ أحدُهما الآخرَ‏.‏

2140- قوله‏:‏ ‏(‏نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم أن يَبِيعَ حاضرٌ لِبَادٍ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وعند أبي داود عن أنس، قال‏:‏ «كان يُقَال‏:‏ لا يَبِيعَ حاضرٌ لبادٍ»، وهي كلمةٌ جامعةٌ‏:‏ لا يَبِيعُ شيئًا، ولا يَبْتَاعُ شيئًا‏.‏ وعنده في «تفسيره» عن ابن عباس، قال‏:‏ لا يكون سِمْسَارًا، وهو عند النَّسائي أيضًا‏.‏ وعند أبي داود، والترمذي‏:‏ «دَعُوا الناسَ يَرْزُقُ اللهاُ بعضَهم من بعض»‏.‏ اهـ‏.‏

وصورة هذا البيع‏:‏ أن يقولَ الحاضرُ للبادي أن يَضَعَ طعامَه عنده، حتى إذا غَلا السعرُ، يَبِيعُه له لِيَرْبَحَ فيه، فنهى عن ذلك‏.‏ فإن في بيع البادي، وإن كان ضررًا له، لكنَّ اللهاُ سبحانه كذلك يَرْزُقُ بعضَه من بعضٍ، فَيَخْسَرُ واحدٌ، ويَرْبَحُ آخرُ‏.‏ فهو تكوينٌ منه، فلا يَدْخُلُ فيه، إلا أن يَرَى الحاضرُ أن في بيعه ضررًا فاحشًا له، فحينئذٍ ينبغي أن يَجُوزَ له أن يَبِيعَ لأخيه البدويِّ إعانةً له‏.‏ أمَّا الشرعُ، فلا يَرِدُ إلا بالنهي، فإنه وإن كان ضررًا بالبائع البادي، لكنه يَعُودُ ربحًا للحاضر‏.‏ فكما أن إعانته البدوي معقولٌ، كذلك إعانته الحاضر أيضًا، والله سبحانه يَأْخُذُ من بعضٍ، ويُعْطِي بعضًا رزقه، فلا يَجُوز له حسب موضوعه أن يتخلَّل فيه‏.‏ وأما الفقهاءُ، فلهم موضوعٌ آخر، ومسائلهم حسب موضوعهم‏.‏

باب‏:‏ بَيعِ المُزَايَدَة

أي ‏(‏نيلام‏)‏، وهو في الشرع‏:‏ الزيادةُ في الثمن، وذا جائزٌ‏.‏ أمَّا ماأدخله الناسُ فيه من التفاصيل من جائزٍ وحرام، فهي عليهم‏.‏

2141- قوله‏:‏ ‏(‏من يَشْتَرِيه مِنِّي‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، تمسَّك به الشافعيُّ، ومن ذهب مذهبَهُ على جواز بيع المُدَبَّر‏.‏ وأجاب عنه الحنفيهُ‏:‏ أنه كان مُدَبَّرًا مُقَيَّدًا‏.‏ ويَرّدُّه ما عند مسلم، والنَّسائي، عن جابر قال‏:‏ «أَعْتَقَ رجلٌ من بني عُذْرَة عبدًا له عن دُبُرٍ» اهـ‏.‏ وظاهرهُ أنه كان مُدَبَّرًا مطلقًا‏.‏ فالجواب‏:‏ أن بَيْعَهُ لم يكن على أن بيعَ المُدَبَّر جائزٌ في الشرع، بل لأن الرجل لم يكن له مالٌ غيره، فلما دبَّره عزَّره النبيُّ صلى الله عليه وسلّم بذلك، كما في النَّسائي‏:‏ «فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم فقال‏:‏ أَلَكَ مالٌ غَيْرُهُ‏؟‏ قال‏:‏ لا، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم من يَشْتَرِيه»‏.‏ اهـ‏.‏

قال السِّنْدِي في «حاشيتهِ» فيه‏:‏ إن السفيهَ يُحْجَرُ، ويُرَدُّ عليه تصرُّفه‏.‏ ولعلَّ البخاريَّ أيضًا ذهب إليه، فترجم‏:‏ باب من رَدَّ أمر السفيه والضعيف العقل‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، ثم أخرج تحته حديث الباب‏.‏ فعُلِمَ أنه جعله من باب الحَجْر، وإلغاء تصرُّف التدبير‏.‏ لكن تراجمَه تَتَهَافَتُ على هذا التقدير، فلا يُدْرَى أنه حكم بالمجموع، أو أن هذا جائزٌ، وذلك أيضًا جائزٌ‏.‏ لأن ولايةَ الشارع فوق ولاية سائر الولاة، فتصرُّفاتُه أيضًا تكون فوق تصرُّفاتهم، فيجوز له ما لا يجوز لغيره، فأمثالَ تلك التصرُّفات تختصُّ به صلى الله عليه وسلّم

ونظيرُه ما أخرجه أبو داود في باب من قتل عبده‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، قال‏:‏ «جاء رجلٌ مُسْتَصْرِخٌ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلّم فقال‏:‏ جاريةٌ له يا رسول الله، فقال‏:‏ وَيْحَكَ مَالَكَ‏؟‏ فقال‏:‏ شرٌ، أَبْصَرَ لسيده جاريةً له، فغار، فَجَبَّ مذاكيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم عليّ بالرَّجُلِ، فَطُلِبَ، فلم يُقْدَرْ عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأنت حرٌّ، فقال‏:‏ يا رسول الله على من نُصْرَتي‏؟‏ فقال‏:‏ على كُلِّ مُسْلمٍ، أو قال‏:‏ على كلِّ مُؤْمِنٍ»‏.‏ اهـ‏.‏

فإِعتاقُ عبد الغير ليس بأدون من إبطال تدبيره، فإذا جَازَ له أن يَعْتِقَ عبدًا لغيره، جَازَ له أن يَبِيعَ مُدَبَّرًا لغيره أيضًا، ولا يكون ذلك لأحدٍ بعده، لقوة ولايته وعموم تصرُّفاته على الإِطلاق‏.‏ أَلا ترى أن أحدًا لو فَعَلَهُ اليومَ بعبده، لم يَجُزْ لأحدٍ أن يَعْتِقَ عبده‏؟‏ ولكن المسألةَ فيه‏:‏ أن الجروحَ قِصَاصٌ، فإِذن هو من باب التَّعْزِيرِ، وحَجْر التصرُّف‏.‏ وأجاب العيني‏:‏ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لم يَبِعْهُ، ولكنه استأجره، البيعُ بمعنى الإِجارة في لغة المدينة‏.‏ ويَشْهَدُ له ما عند الدَّارَقُطْنيِّ، عن الإِمام محمد الباقر مرسلا في قصة أخرى‏:‏ «كان النبيُّ صلى الله عليه وسلّم استأجر فيها»، ولي من عند نفسي جوابٌ آخر، ذكرته في موضعه‏.‏

باب‏:‏ النَّجْشِ، وَمَنْ قَالَ‏:‏ لا يَجُوزُ ذلِكَ البَيع

والنَّجْشُ في اللغة‏:‏ إغراءُ الكلب‏.‏ وهذا البيعُ لا يَجُوزُ عند المصنِّف أصلا، لورود النهي عنه‏.‏ قلتُ‏:‏ النهيُ لا يَسْتَلْزِمُ البُطْلان دائمًا‏.‏ فإنا نرى من عهد الصحابة إلى زمن الأئمة‏:‏ أن النهيَ إذا وَرَدَ في محلًّ، يَحْمِلُه بعضُهم على الكراهة، وبعضُهم على البُطْلان، فلا كُلِّية فيه، ففي محلًّ كذا، وفي محلًّ كذا‏.‏ والإِمامُ البخاريُّ يَحْمِلُهُ على البُطْلان في أكثر المواضع، وقلَّ موضعٌ يكون النهيُ وَرَدَ فيه، ثم حمله المصنِّفُ على الجواز، بل يَعْتَرِضُ على الحنفية بحملهم النهي على الصحة‏.‏ ثم إن الشيخَ ابن الهُمَام قال في «فتح القدير»‏:‏ إن النهيَ في العبادات لا يُوجِبُ البُطْلان، ونَاقِضُهُ في «التحرير»، فقال‏:‏ إنه يُوجِبُهُ‏.‏ وكان لا بُدَّ للشارح أن يُنَبِّه عليه‏:‏ أن ما في «التحرير» يُخَالِفُ ما اختاره في في «فتح القدير»‏.‏ وكيفما كان تعبيرُه في «فتح القدير» أَوْلَى مما قاله صاحب «الهداية»‏:‏ أن النهيَ عن الأفعال الشرعيَّة يُقَرِّر المشروعية، فإنه بعيدٌ جدًا، والأقربُ ما قاله الشيخُ ابن الهُمَام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو خِدَاعٌ بَاطِلٌ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وأراد المصنِّفُ من نقل تلك الجزئيات‏:‏ أن هذا البيع لا يَجُوز‏.‏ قلنا‏:‏ سلَّمنا عدم الحلِّ أيضًا، ولكن الكلامَ في نفاذه لو اقْتَحَمَهُ أحدٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الخَدِيعَة في النَّار‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ وعُلِمَ أنه قد تحقَّق عندي تجسُّد المعاني، وقوَّاه الشيخُ الأكبر في «الفتوحات»، والدَّوَّاني في «رسالته الزوراء» بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 49‏)‏، أي إنها محيطةٌ في الحالة الراهنة، ولكنها مستورةٌ، يَنْكِشُفُ عنها الغطاء في الحشر‏.‏ فتلك المعاني الكُفْرِيَّة تَنْقَلِبُ نارًا، وتتجسَّد جهنم، بل هي هي في الحالة الراهنة، إلا أن الأبصارَ ضَعُفَتْ عن إدراكها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من عَمِلَ عملا ليس عَلَيْهِ أمرُنا، فهو رَدٌّ‏)‏‏.‏ اسْتَشْهَدَ به البخاريُّ على البُطْلان، وحَمَلَهُ الناسُ لعى المعصية‏.‏ فمعنى قوله‏:‏ «فهو رَدٌّ» عند البخاري‏:‏ أي باطلٌ، وعند آخرين‏:‏ فهو غيرُ مقبولٍ، ومعصيةٌ‏.‏ وجملةُ المقال‏:‏ إن التقسيمَ عنده‏:‏ ثُنَائي، فالشيءُ عنده، إمَّا صحيحٌ، أو باطلٌ‏.‏ وعندنا ثُلاثي، والثالث ما هو صحيحٌ من وجهٍ، وباطلٌ من وجهٍ‏.‏ وهذا نظيرُ الاختلاف في المُمْكِن أنه شيءٌ أو لا‏؟‏ فقيل‏:‏ إنه ليس بشيءٍ، لأن الشيءَ إمَّا واجبٌ، أو مُمْتَنِعٌ‏.‏ وقيل‏:‏ بل التقسيمُ ثلاثي، فالممكن أيضًا شيءٌ‏.‏

والبِدْعَةُ عندي‏:‏ كلُّ شيءٍ حَدَثَ بعد القرون الثلاثة المشهود لها بالخير لشبهةٍ لا لعنادٍ، وكانت مُلْتَبِسَةً بالشريعة‏.‏ فإذا أَحْدَثَها الخلفاء، أو خيرُ القرون، فليست ببدعةٍ‏.‏ وكذا إذا حَدَثَتْ لعنادٍ أو لم تَلْتَبِسْ بالشريعة، فليست ببدعةٍ أيضًا، وإن كانت مردودةً عند الشرع‏.‏

باب‏:‏ بَيعِ الغَرَرِ وَحَبَلِ الحَبَلَة

الغرر مُتَعَدِّي، والغرور لازمي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حَبَل الحَبَلَة‏)‏‏.‏ قيل‏:‏ إنه كان مَبِيعًا في الجاهلية، وقيل‏:‏ بل كان أجلا‏.‏

باب‏:‏ بَيعِ المُلامَسَة

باب‏:‏ بَيعِ المُنَابَذَة

قيل‏:‏ إن المُلامَسَة نفسها كانت بيعًا، وقيل‏:‏ إنها كانت قاطعةً للخِيَار‏.‏

باب‏:‏ النَّهْيِ لِلبَائِعِ أَنْ لا يُحَفِّلَ الإِبِلَ وَالبَقَرَ وَالغَنَمَ وَكُلَّ مُحَفَّلَة

باب‏:‏ إِنْ شَاءَ رَدَّ المُصَرَّاةَ وَفي حَلبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْر

قيل‏:‏ أصل المُصَرَّاة مَصْرُورَة، كما أن أصل ‏{‏دَسَّهَا‏}‏ ‏(‏الشمس‏:‏ 10‏)‏ دسَّسها، فصارت- دسَّاها‏.‏ والمصنِّفُ أيضًا توجَّه إلى بيان الاشتقاق‏.‏ كما هو دَأْبُهُ‏.‏

واعلم أن التَّصْرِيَةَ عيبٌ عند الشافعيِّ، وأحمد، فجاز للمشتري أن يَرُدَّ به على البائع، إلا أنه يَرُدُّ معه صاعًا من تمرٍ، لحديث أبي هريرة‏.‏ وقال أبو يوسف‏:‏ يَرُدُّه، ويَرُدُّ معه قيمةَ اللبن، كائنةً ما كانت‏.‏

وقال أبو حنيفة، ومحمد‏:‏ لا يَرُدُّه، لأن الحَلْب عَيْبٌ في الحيوان، والمبيعُ إذا كان مَعِيبًا، ثم حدث فيه عَيْبٌ آخر عند المشتري، امتنع رَدُّه، فليس له إلا الرُّجُوعَ بالنقصان‏.‏ والحديثُ وَارِدٌ علينا، وأجاب عنه بعضُ الحنفية‏:‏ إن الحديثَ إذا رَوَاه راوٍ غير فقيهٍ، وعَارَضَهِ القياسُ، يُتْرَكُ العملُ به، ويُعْمَلُ بالقياس‏.‏ فلمَّا كان حديثُ أبي هُرَيْرَة مُخَالِفًا للقياس، ورواه من هو غير فقيهٍ، عَدَلْنا إلى القياس، وعَمِلْنا به‏.‏

قلتُ‏:‏ وهذا الجواب باطلٌ لا يُلْتَفَتُ إليه، ولم يَزَلْ مَطْعَنًا للخصوم منذ زمنٍ قديم‏.‏ ولمثل هذا اشْتَهَرَ أن الحنفيةَ يُقَدِّمُون الرأيَ على الحديث‏.‏ وحَاشَاهُم أن يَقُولُوا بمثله، فإن هذه المسألة لم يَصِحَّ نقلها عن أبي حنيفة، ولا عن أحدٍ من أصحابه‏.‏ نعم نُسِبَتْ إلى عيسى ابن أَبَان- المعاصر للشافعي- وهي أيضًا محلُّ تردُّدٍ عندي‏.‏ كيف وقد قال المُزَني‏:‏ إن أبا حنيفة أَتْبَعُ للأثر من محمد، وأبي يوسف‏.‏ فلعلَّ تكون بين يديه جزئياتٌ، ومسائلُ تَدُلُّ على هذا المعنى‏.‏

وبالجملة هذا الجواب أَوْلَى أن لا يُذْكَرَ في الكُتُبِ، وإن ذكره بعضُهم، ومن يَجْتَرِيءُ على أبي هُرَيْرَة فيقول‏:‏ إنه كان غيرُ فقيهٍ‏؟‏ ولو سلَّمنا، فقد يَرْويه أفقههم، أعني ابن مسعود أيضًا، فيعود المَحْذُورُ‏.‏ وأجاب عنه الطحاويُّ بالمعارضة بحديث‏:‏ «الخَرَاج بالضَّمَان»‏.‏

والجواب عندي‏:‏ أن الحديثَ محمولٌ على الدِّيَانة دون القضاء، لِمَا في «فتح القدير»، في باب الإِقالة‏:‏ أن الغَرَرَ، إمَّا قوليٌّ، أو فعليٌّ، فإن كان الغَرَرُ قوليًّا، فالإِقالةُ واجبةٌ بحكم القاضي‏.‏ وإن كان الثاني تَجِبُ عليه الإِقالةُ دِيَانةً، ولا يَدْخُلُ في القضاء‏.‏ كيف وأن الخِدَعَاتِ أشياءٌ مستورةٌ، ليس إلى علمها سبيلٌ، فلا يُمْكِنُ أن تَدْخُلَ تحت القضاء‏.‏ فالتَّصْرِيةُ أيضًا خَدِيعةٌ، ويَجِبُ فيها على البائع أن يُقِيلَ المشتري ديانةً، وإن لم يَجِبْ قضاءً‏.‏

وحينئذٍ فالحديثُ مُتَأَت على مسائلنا أيضًا، ولم أَرَ أحدًا منهم كَتَبَ أنه مُوَافِقٌ لنا‏.‏ وادَّعَيْتُ من عند نفسي‏:‏ أن الحديث لا يُخَالِفَ مسائلنا أصلا، لأن التَّصْرِيَة غَرَرٌ فِعْليٌّ، وفيه الرَّدُّ ديانةً على نصِّ «فتح القدير»‏.‏ وهكذا أقول فيما إذا اشترى سلعةً، فلم يُؤَدِّ ثمنها حتى أَفْلَسَ‏:‏ إنه يكون فيه أسوة للغُرَمَاءِ عندنا قضاءً، ويَجِبُ عليه أن يَرُدَّ المبيعَ إلى البائع خِفْيَةً ديانةً، فإنه أحقُّ به، لكنه حكم الدِّيَانة دون القضاء‏.‏ وأوَّله الطحاويُّ في هذا الحديث أيضًا، وحَمَلَهُ على العَوَارِي‏.‏

ونظيرُه ما في الفِقْهِ‏:‏ أن فرسًا لأحدٍ لو هَرَبَ إلى دار الحرب، ثم حيِزَ في الغنيمة، فإن أخذه مالكه قبل التقسيم يأخذه مجَّانًا، وإلا فيأخذه بالقيمة‏.‏ فَدَلَّ على بقاء حقِّه بعد التقسيم أيضًا في الجملة، وإن لم يَبْقَ مِلْكُه، فانكشف أن حقَّ المِلْكِ قد يبقى بعد زوال المِلْكِ أيضًا‏.‏ وهكذا فيما إذا أَفْلَسَ المشتري، ينقطع مِلْكُ البائع عن المبيع، ويبقى حقُّ المِلْكِ، ولذا يَجِبُ عليه دِيَانةً أن يَرُدَّه عليه خِفْيَةً‏.‏ أمَّا في القضاء، فهو أسوةٌ للغُرَمَاء، لانقطاع المِلْكِ‏.‏

ثم اعلم أن الزيادةَ في المبيع إمَّا متَّصِلَةٌ، كصَبْغِ الثوب، أو مُنْفَصِلَةٌ‏.‏ والمُنْفَصِلَةُ إمَّا مُتَوَلِّدَةٌ، أو غير مُتَوَلِّدَةٍ، وكلٌّ منها قبل القَبْضِ أو بعده‏.‏ ومِصْدَاقُ الحديث‏:‏ «الخراج بالضمان» الزيادةُ الغيرُ المُتَوَلِّدة‏.‏ وهي فيما نحن فيه‏:‏ مُتَوَلِّدَةٌ مُنْفَصِلَةٌ، ولا رَدَّ فيها عندنا في عامة كُتُبِنَا‏.‏ وفي «الوجيز»، و«التهذيب»، و«الحاوي»‏:‏ إنه يَرُدُّه عند التراضي‏.‏ قلتُ‏:‏ فما في عامة الكُتُبِ حكم القضاء، وفي تلك حكم الدِّيَانَةِ، وقد نَظَمْتُهُ في بيتين‏:‏

بِزِيَادَةِ المُنْفَصِل المُتَوَلِّد *** أو عَكْسِهِ، مُتَعَيِّبٌ لم يَرْدُد

ثم في «التهذيب»، و«الوجيز» و«الح *** اوي» الجواز بالتراضي يُحْمَل

وراجع التفصيلَ من «البحر»‏.‏ ومن ههنا أقول‏:‏ إني لا أرضى بجواب الطحاويِّ، لأنه عارضٌ بحديثٍ عامَ، يمكن أن يُخَرَّج له وجوهٌ، ومحاملٌ‏.‏ وحديثُ المُصَرَّاة حديثٌ خاصٌّ، فلا يُعَارِضُهُ‏.‏ وإنما الطريق أن يُؤْتَى بمعارضٍ من هذا الباب الخاصِّ‏.‏

ثم اعلم أن النهيَ عن التَّصَرِّي، والنهيَ عن تلقِّي الجَلَب وقع في حديثٍ واحدٍ، مع أن الفقهاءَ ذَهَبُوا إلى صحة البيع في صورة التلقِّي إذا لم يَضُرَّ أهل البلد‏.‏ وههنا حرَّر ابن دقيق العيد‏:‏ أن تخصيصَ العامِّ جائزٌ بالرأي ابتداءً إذا كان الوجهُ جَلِيًّا‏.‏ وقال مولانا شيخُ الهند‏:‏ إنه محمولٌ على الاستحباب‏.‏

ونقل في «شرح الإِحياء» حكايةً عن الشافعية‏:‏ أنه جرى ذكر حديث المُصَرَّاة بين حنفيًّ، وشافعيًّ، فقال الحنفيُّ‏:‏ إن أبا هُرَيْرَة لم يكن فقيهًا، فلم يَفْرُغ من مقالته، حتى وَثَبَتْ عليه حيةٌ، ففرَّ منها، فقال له رجلٌ منهم‏:‏ تُبْ إلى الله، فتاب، فَتَرَكَتْهُ‏.‏ قلتُ‏:‏ ولا أصلَ لها عندي، وإنما تَفُوحُ منها رائحةُ التعصُّب‏.‏

2148- قوله‏:‏ ‏(‏بالخِيَار ثلاثًا‏)‏، ويُسْتَفَادُ منه‏:‏ أن خِيَارَ الشرط في ذهن الشارع هو بثلاثة أيام فقط، كما قُلْنَا‏.‏

باب‏:‏ بَيعِ العَبْدِ الزَّانِي

وقال شُرَيْح‏:‏ إن شاء ردَّ من الزنا‏.‏ قال الحنفيةُ‏:‏ إن الزنا عيبٌ في الجارية دون العبد، للمعنى المقصود بهما، فَيَخُلُّ فيها دون الغلام، وإن كان شرًا في الآخر‏.‏

2152- قوله‏:‏ ‏(‏فَلْيَجْلِدْهَا‏)‏، أي يَبْلُغُ بها إلى الحاكم لِيَجْلِدَهَا، فإن الحدودَ إلى الحُكَّامِ‏.‏

2152- قوله‏:‏ ‏(‏فَلْيَبِعْهَا‏)‏، لا يُقَال‏:‏ إنه خِلافُ قوله صلى الله عليه وسلّم «يُحِبُّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه» لأنا نقول‏:‏ إنه من باب‏:‏ دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ الله بعضَهم من بعضٍ، والمضرَّةُ غير لازمةٍ، لجواز تركها الفاحشة عند البائع الآخر، وجواز بيعه على تقدير عدم تركها‏.‏

2153- 2154- قوله‏:‏ ‏(‏ولم تُحْصِنْ‏)‏، أي لم تَتَزَوَّج، وراجع لحقيقة الإِحصان «المبسوط»، فإنه لم يُؤَدِّ أحدٌ حقَّه غيره‏.‏ وليس له ترجمة في لسان الهند، غير أنه من ألفاظ التوقير، كما يُقَال في الهندية‏:‏ ‏(‏بيوى ميان‏)‏‏.‏

فإن قلتَ‏:‏ إنه لا فرق في الإِماء بين المتزوِّجة وغيرها، فما وجهُ التقييد به‏؟‏ قلتُ‏:‏ إنما ذكره تَبَعًا للقرآن، فأصلُ البحث في القرآن‏.‏ وترجمة الشاه عبد القادر ‏(‏قيد مدين آثين‏)‏‏.‏ وهذا وإن كان أقرب من حقيقته اللُّغوية لكونه من الحِصْن، لكنه لا يُوَافى بما هو المراد منه عند الفقهاء‏.‏ وقد ذكروا له تَفْسِيرَيْن‏:‏ أحدهما في باب حدِّ القذف، والآخر في باب حدِّ الزنا‏.‏ وإحصانُ الزاني فوق إحصان حدِّ القذف، وليراجع التفصيل من الفِقْهِ، ولكن المراد منه ههنا هو التزوُّج‏.‏